أحمد بن محمد المقري التلمساني

141

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

كان عنواه ، فنزل من القصر بالقسر ، إلى قبضة الأسر ، فقيد للحين ، وحان له يوم شرّ ما ظنّ أنه يحين ، ولمّا قيّدت قدماه ، وذهبت عنه رقّة الكبل ورحماه ، قال يخاطبه : [ الطويل ] إليك فلو كانت قيودك أسعرت * تضرّم منها كلّ كفّ ومعصم « 1 » مخافة من كان الرجال بسيبه * ومن سيفه في جنّة أو جهنم « 2 » ولما آلمه عضّه ، ولازمه كسره ورضّه ، وأوهاه ثقله ، وأعياه نقله ، قال : [ المتقارب ] تبدلت من عزّ ظلّ البنود * بذلّ الحديد وثقل القيود وكان حديدي سنانا ذليقا * وعضبا رقيقا صقيل الحديد فقد صار ذاك وذا أدهما * يعضّ بساقيّ عضّ الأسود ثم جمع هو وأهله وحملتهم الجواري المنشآت « 3 » ، وضمّتهم جوانحها كأنهم أموات ، بعد ما ضاق عنهم القصر ، وراق منهم العصر ، والناس قد حشروا بضفتي الوادي ، وبكوا بدموع كالغوادي ، فساروا والنّوح يحدوهم ، والبوح باللوعة لا يعدوهم ، وفي ذلك يقول ابن اللّبّانة : [ البسيط ] تبكي السماء بمزن رائح غاد * على البهاليل من أبناء عبّاد « 4 » على الجبال التي هدّت قواعدها * وكانت الأرض منها ذات أوتاد عرّيسة دخلتها النائبات على * أساود لهم فيها وآساد « 5 » وكعبة كانت الآمال تخدمها * فاليوم لا عاكف فيها ولا باد يا ضيف ، أقفر بيت المكرمات فخذ * في ضمّ رحلك واجمع فضلة الزاد ويا مؤمّل واديهم ليسكنه * خفّ القطين وجفّ الزرع بالوادي « 6 » وأنت يا فارس الخيل التي جعلت * تختال في عدد منهم وأعداد ألق السلاح وخلّ المشرفيّ فقد * أصبحت في لهوات الضيغم العادي

--> ( 1 ) تضرّم : التهب واشتعل . ( 2 ) السيب : العطاء . ( 3 ) الجواري المنشآت : السفن . ( 4 ) البهاليل : جمع بهلول ، وهو السيد الجامع لصفات الخير . ( 5 ) العريسة : مأوى الأسد . والأساود : جمع أسود ، وهو الحية العظيمة . والآساد : الأسود . ( 6 ) خف القطين : ارتحل القاطن مسرعا .